وقعت أحداث هذه القضية في أقصي صعيد مصر، كانت أحداثها مثيرة بشعة تمتزج فيها الدهشة بالغرابة والحيلة. كانت الخسة والنذالة.. تحجر القلب والوحشية التي لا حد لها ولا حدود هي الاطار الذي حوي أحداث هذه القضية. كان رجلا بالغ الصرامة والقسوة..
طغي جبروته علي فكره.. واستبد عنفه بعقله.. كان له سطوة ورهبة بين أهل قريته.. عرف الجميع عنه أنه رجل بلا قلب او وحش كاسر بلا فكر ولا مشاعر.. مات قلبه وانعدمت احاسيسه.. له باع طويل في الجريمة والاجرام.. كانت جرائمه كثيرة "كعدد حبات الأرز"، ومع ذلك فما كان بمقدور أحد كائنا من كان في قريته الوقوف في وجهه أو الشهادة ضده في أي جريمة من جرائمه حتي ولو رآه رأي العين..
لم يتحرك قلبه من قبل امام اي امرأة.. فلم يجد الحب طريقا إلي قلبه.. ورغم أنه كان "زير نساء" إلا أن مغامراته كانت ماجنة لا خلق ولا مبدأ لها غير النزوة المجردة والبوهيمية المطلقة.. ولم يتحرك قلبه الصخري إلا أمام هذه السيدة.. كان قلبه أمامها ضعيفا واهيا، فرغم أن من قابلهن في حياته لم يحركن شعرة في رأسه إلا أن تلك المرأة هزته بعنف وغزت قلبه واستولت علي فكره..
وأصبح ذلك الجبل أمامها ذرة من الرمال.. طفلاً وديعا.. كانت هذه السيدة زوجة لعامل أجير فقير، وكعادته دائما الاستيلاء علي ما في يد غيره واقتناص وغصب ما لا حق له فيه..
جرب كل الحيل أمامها فلم يفلح.. راودها عن نفسها كثيرا وطاردها ليلاً ونهارا عله يصل إلي قلبها ولكنه لم يحقق مراده وباءت كل محاولاته بالفشل.. وفي كل مرة حاول فيها الظفر بها كانت تصده.. وفي المقابل كانت النار تتأجج بين ضلوعه وطول التفكير فيها ينهش في قلبه.. وشوقه إليها وحبه لها سهام تغرس في قلبه وتدمي فؤاده.. ورغم أن جميع النساء كن يحلمن بالظفر به لفحولته الطاغية وأمواله التي استحوذ عليها من نهب العباد إلا أنها كانت من عجينة خاصة.. وباءت كل أحلامه ومحاولاته بالفشل بأن تقع هذه العجينة بين أسنانه.. ولم تكن أمامه من وسيلة سوي الشر الذي سيطر علي أفعاله.. وكان حلا لأي مشكلة تواجهه.. هداه شيطانه الي استدعاء زوجها وتهديده وتوعده بالثبور وعظائم الأمور إن لم يطلقها.. وعلي طريقة العصا والجزرة نجح في مراده وأجبر زوجها علي تطليقها وتزوجها.. وأشاع في القرية أن زوجها قد غدر بها وأنه قبض ثمن طلاقها وساوم في الثمن.. ولكن محبوبها الجديد لم يبخل من أجل عينيها، بل ودفع أكثر مما طلب.. وشربت زوجته تلك "التمثيلية" الدنيئة، واقتنعت بنذالة مطلقها وعاشت في مملكتها الجديدة ملكة غير متوجة بعد أن وضع قلبه بين يديها وماله وفكره وعقله رهنا لإشارتها.. لم يبخل عليها بشيء.. انسابت الأموال بين يديها.. أحضر لها أغلي الملابس وأفخر أنواع العطور.. ووضع تحت أمرتها العديد من الخدم حتي يعوضها عن حياة الفقر والحرمان التي عاشتها من قبل.. قلبه الصخري تحول الي عجينة طيعة بين أناملها تشكلها كما تريد.. وزادت سعادته عندما دب أول جنين منه بين أحشائها.. أحس بالندم لما فاته في صدر حياته وهو يعيش حياة العبث واللهو والمجون، وصمم - وهو يحوم حول الخمسين من عمره - أن يكرس حياته لأسرته وأن ينفض غبار الماضي حتي يفتح ابنه عينيه علي صورة مشرفة لأبيه بعد أن نفض عنها غبار الماضي. ولكن فرحته لم تدم وسعادته لم تستمر.. كان القدر له بالمرصاد وكأنه أراد أن ينتقم لماضيه فقد اختفت زوجته فجأة وهي في شهرها السابع من الحمل، وبحث عنها فلم يجدها. وفي النهاية - وبعد طول بحث - عثر عليها قتيلة في مكان مهجور من القرية.. قتلت بطريقة بشعة ثم سكب عليها "الكيروسين" وأُشعلت فيها النار. كان واضحا - منذ الوهلة الاولي - أن قتلها كان مدبراً وأن هناك قصداً مصمما عليه لازهاق روحها إذ إنه من الواضح أن القاتل قد أعد هذا "الكيروسين" وأحضره تمهيدا لحرقها. ولكن السؤال المحير: من هو القاتل؟ ولماذا ذهبت المجني عليها إلي هذا المكان؟ ولماذا لم يكتف القاتل بقتلها كالمعتاد في أقران هذه القضية من قضايا القتل بالاعتداء بالضرب بأداة من ادوات القتل كعصا غليظة مثلاً أو سكين أو فأس او سلاح ناري؟ كان لابد من الوصول إلي اجابة عن هذه الاسئلة التي تقف أمامها علامات استفهام عريضة ومحيرة. وحامت الشبهات حول مطلقها خصوصا أنه كان متواجداً في القرية وقت الحادث، وكان قد غادرها بعد طلاقه لزوجته وبناء علي أوامر زوجها الجديد وتهديده وتوعده بالقتل إن ظل يوما بالقرية.. بل إن مطلقها قد غادر القرية ليس خوفا من هذا التهديد فحسب - وإنما لاحساسه أنه فقد كل شيء في هذه القرية الظالمة فما عاد له غال فيها يبكي عليه.. زوجته التي يحبها أكثر من نفسه أجبره الطاغية علي تطليقها.. وبات لا يستطيع العيش في قرية فقد فيها محبوبته بل والأقسي والأمر أنها تعيش بين أحضان رجل آخر اغتصبها بجبروته واقتنصها بأمواله بعد أن غرر بفكرها واحتال علي مشاعرها بتلك الفرية الدنيئة التي أشاعها بين أهل القرية وحفر في ذهن الناس أنه قبض الثمن غدراً بها، وهو من كل ذلك بريء فما قبض ثمنا ولا باع حبه لها.. بل إن أموال الدنيا كلها لا تساوي يوما من أيام العذاب والألم الذي حل به منذ أن فارقها.. لقد فارقته السعادة واستسلم للهم والغم منذ أن تركها.. لقد بات وحيداً في الدنيا بعد أن ترك قريته وهجر أهله وذويه بعد أن أصبح "أضحوكة" في أفواههم و"مسخة" أمام أعينهم.. أحس في عيون الناس بمدي احتقارهم له واستهزائهم واستهجانهم لفعلته.. أحس بأنه لا عيش له وسطهم فقد فقد رجولته ونخوته وكرامته بينهم وأن عليه أن يرحل في الظلام رحيلاً بلا عودة. ولكن ما الذي حدا به في أن يعود رغم كل ما حدث؟ كان هذا هو السؤال الذي عجز عن تفسيره ولم يستطع تبريره وخصوصا أنه أمام هذا العجز قويت الأدلة ضده وبات هو صاحب المصلحة الوحيد في ارتكاب الجريمة.. بل وزاد من ضراوة الاتهام ما ثبت من وجود آثار مواد كيروسينية بأظافره أثبتها تحليل المعامل الكيماوية بعد قص وكيل النيابة لأظافره خصوصا بعد ثبوت حرق المجني عليها وإشعال النار فيها بعد سكب الكيروسين عليها. أنكر الواقعة في البداية وأصر علي الإنكار وأن المواد الكيروسينية التي عثر علي أثرها عالقة بأظافره كان نتيجة لزجاجة بها كيروسين ليشعل بعض الحطب للتدفئة وسكب بعضا من الغاز لسرعة اشتعال النار بها.. وتساءل: كيف يقتل أحب الناس في الدنيا إليه.. لو فكر أهل الدنيا جميعا في قتلها لافتداها هو بحياته.. إنه يحبها حبا جنونيا.. فهواها مازال يملأ قلبه وصورتها لا تبارح عينيه.. والحب والكراهية متضادان لا يلتقيان.. وأكد أنه كان علي استعداد أن يقدم حياته فداء لها وقربانا لحبهما. ولكن ما لبث أن انهار والنيابة تواجهه ببشاعة جرمه وكيف أن قتله لم يقتصر علي المجني عليها فحسب بل علي جنين كان يدب في أحشائها وكان علي وشك أن يطل علي الحياة طفلاً. انهار وهو يجهش في بكاء هيستيري عندما علم بأمر حملها وهو يهذي: - لقد ضاع كل أمل لي.. لقد عدت للقرية لكي أتحسس أخبارها.. كنت علي أمل أن يكون زواج البلطجي بها نزوة من نزواته وطيشا من مجوناته، وأنه لن يلبث في أن يتخلي عنها بعد أن يحقق مأربه منها. ولكن لم يكن الأمر حسب ما تصور فقد كان يلهث وراء وهم.. كان حلمه سرابا ما لبث أن تبدد علي صخرة الحقيقة بعد أن علم بأنها كانت حاملاً. وتحدث في صوت خفيض: - أنا قتلتها. وناقشته النيابة في كيفية تنفيذ الجريمة، فأجاب بصوت كسير: - أنا قتلتها.. كبيت عليها الجاز وولعت النار فيها. وقضت محكمة الجنايات عليه بالإعدام شنقا. كانت تلك هي أحداث القضية حسبما سطرت، وحررت مذكرة فيها بالنقض سجلت فيها أن المتهم "الطاعن" أنكر ثم اعترف فجأة وبلا مقدمات علي نحو ينبئ أنه كان يائسا من الدنيا.. رافضا للحياة.. ومن المسلمات القانونية أن الاعتراف الذي يعول عليه كدليل اثبات معتبر لابد أن يكون مطابقا للواقع والحقيقة ومتفقا مع الأدلة الفنية في الدعوي، ولما كان المتهم قد انصب في اعترافه علي أن كل ما ارتكبه من فعل مادي هو سكب الكيروسين علي المجني عليها وإشعال النار بها، وهو ما يجافي الثابت بتقرير الصفة التشريحية من أن هناك اعتداء بآلة صلبة علي رأس المجني عليها أحدث بها كسورا ادت الي نزيف ضاغط علي المخ كان سببا للوفاة، وأن الحروق التي بالجثة حروق غير حيوية "أي حدثت بعد الوفاة"، ولما كان من المسلم أنه لابد أن تكون هناك علاقة سببية بين الفعل المادي الذي قارفه المتهم وبين النتيجة التي يؤخذ بها وقد تبين أن سبب الوفاة ليس الحروق، وإنما سبب آخر - لم يرد باعتراف المتهم ولا تكشف عنه الأوراق فإن ادانة المتهم علي نحو ما سلف دون بيان لعلاقة السببية بين فعله وسبب الوفاة يشوبه بالقصور في التسبيب والخطأ في الاسناد. وتم نقض الحكم وإعادة محاكمته مرة أخري أمام دائرة جديدة، وكانت المحاكمة مرة أخري. وسألت المتهم قبل بدء الجلسة عن حقيقة اعترافه، وكانت أول مرة التقي به.. كان شارداً مهموما مشدوهاً.. حزينا.. كانت قسمات وجهه تنبئ أنه يئس من الحياة.. من الدنيا.. من كل الناس كما يردد أمامي أنه قنط من الحياة والموت أحب إلي نفسه من هذه "العيشة" التي تتسم بالذل والمهانة.. هل هناك أقسي علي النفس من أن تنتزع منه زوجته.. محبوبته قسراً وبلطجة أمام عينيه.. هل من السهل علي نفسه نظرات الناس إليه وحكمهم بأنه نذل جبان بدلاً من أن يحكموا هذا الحكم علي هذا الطاغية الذي انتزع زوجته بل واغتصب محبوبته منه؟ وسالت الدموع من عينيه وهو يردد أن أمنيته الوحيدة في الحياة أن يعدم فوراً، فما عاد يطيق الحياة في دنيا.. انعدمت فيها القيم وغابت عنها المبادئ..
وضاعت فيها المثل، وأضاف مستغربا: - كيف غابت هذه الفكرة عني؟ نعم كان لابد أن أقتله هو فهو الجاني الحقيقي الذي حطم حياتي، وأضاع آمالي في الحياة.. ما ذنبها حتي أقتلها؟ كان حديثه مع نفسه - ومعي - أشبه بمن يهذي.
وأعدت سؤاله: - ما هي وسائل الاعتداء علي المجني عليها؟
فأجاب والعصبية لا تفارق نظرات عينيه ولا نبرات صوته: - أنا قتلتها.. ولعت النار فيها.. مش برضه لقيتوا النار مولعة فيها؟.. عاوزين مني إيه أكثر من كده؟
وأعدت سؤاله وأنا أطلب منه الهدوء والصبر: - ألم تعتد عليها بأي وسيلة أخري؟ فنظر إلي مندهشا وقد ازداد حدة. - ولعت فيها النار.. هو فيه أكثر من كده موت؟ وقلت له: - إنت لم تقتل أحداً.. فيه سر انت مخبيه.. إيه هو؟ فأشاح بوجهه عني وآثر الصمت وقال والدموع تنساب علي خديه.. وكأنه المطر في يوم عاصف: - أرجوك أنا عايز أموت قالها ونبرات صوته.. تفصح ما بداخله من يأس.. وتصميم علي الموت
. فرجوته أن يثق بي وأن يفضي إلىَّ بالحقيقة وأن اعترافه علي نحو ما سلف كاذب، وأنه أشبه بمن ينتحر عمداً وأن جزاء ذلك عند الله عظيم وعقابه جهنم وبئس المصير.
وأحسست أن كلامي قد وجد طريقا إلي أذنيه وفكره وقلبه، وأنه بدأ يستيقظ من غفوته وأن أصوات الحقيقة قد صرخت في داخله، وأنه قاب قوسين أو أدني في أن يخرج ما كان مدفونا في أعماقه، وازداد انهمار الدموع من عينيه دون أن يدري. - أنا فعلاً ما قتلتهاش. واستطرد وصورة البراءة تنطق في عينيه. - أقتلها ازاي وهي روحي وحياتي.. أنا كنت عايش علي أمل ان ييجي اليوم وتعرف الحقيقة.. تعرف إني مظلوم وأن جوزها هو الظالم المفتري الحقيقي وأنه حايسيبها بعد ما يأخذ اللي عاوزه منها وترجع لىَّ تاني. فبادرته بقولي: - أنا مصدقك.. أمال إيه اللي حصل؟ فأجاب في حسرة: -
أناجيت البلد متخفي عشان كان نفسي أشوفها.. أعرف إيه أخبارها.. قلت يمكن يكون سابها أو طلقها.. أنا لو كنت عاوز أقتل كنت قتلته هو. فسألته: - ألم تعتد عليها بالضرب بآية آلة؟ فأجاب: - طبعاً لا.. اضرب نفسي ازاي؟ دي كانت كل أملي في الحياة. وأعدت سؤاله عن أمر الكيروسين الذي عثر علي آثاره في أظافره. فأجاب: - يا بيه أنازي ما قلت في التحقيق.. الجاز ده أنا حطيته علي حطب علشان يولع بسرعة عشان أتدفي. فأعدت عليه السؤال عن سر النار التي اشتعلت في المجني عليها. فأقسم مغلظا لأول مرة أنه لا يعرف عن مقتلها شيئا. وحانت ساعة المرافعة، وترافعت في الدعوي، وطلبت مناقشة الطبيب الشرعي استجلاء لكيفية قتل المجني عليها علي نحو واضح أمام الأسباب التي حررها لنقض القضية، وأسباب حكم النقض الذي عادت القضية للمحاكمة من جديد علي أساسه. وبينما كانت القضية منظورة انتظاراً للأجل الذي ضربته المحكمة لحضور الطبيب الشرعي، فقد وقع الزلزال الذي كشف صدق دفاعي.. فقد تم القبض علي شاب بقرية هذا الفتوة يبلغ من العمر حوالي العشرين عاما.. كان يتربص لهذا الفتوة بسكين وانقض عليه وذبحه بعد أن نجح في الإجهاز عليه. وكانت قمة المفاجأة عندما اعترف الشاب أنه هو قاتل زوجة الفتوة، وأن طليقها لم يرتكب الجريمة، وقد آثر أن يقتلها وهي حامل حتي يعذب الفتوة ويحرمه من أول ابن له يرزق به بعد طول عمره وهو علي مشارف الخمسين من عمره. واستطرد الشاب في اعترافه موضحاً أن هذا الفتوة قد قتل أمه - من قبل - بعد ان اغتصبها داخل مسكنها.. كان وقتها طفلاً صغيراً وشاهد المأساة.. وظل وحش الانتقام يقطن داخله كلما كبر سنه حتي جاء اليوم الذي هداه شيطان الانتقام في أن يثأر لأمه وينتقم لشرفها من زوجة هذا الفتوة. وأضاف أنه رأي الموت بعينه وهو مازال طفلاً لا يعرف معني الحياة أو الموت حتي فتك هذا الخنزير بأمه، معتديا علي عرضها سالبا شرفها ثم قتلها.. وأنه ادرك منذ هذه اللحظة معني الموت.. ما كان ينام الليل أو النهار.. فارق النوم جفونه.. كان يستيقظ صارخاً مذعوراً عندما تلاحقه صورة أمه ذلك "الكابوس" المزعج الذي كان يطارد عينيه.. صوت أمه التي كان يري صورتها وهي تغتصب وتطلب منه الانتقام والثأر لشرفها ودمها.. وعندما تزوج هذا الفتوة من السيدة بعد تطليقها رأي الجميع يباركون هذا الزواج وينصاعون لفريته.. ويصدقون كذبته من أن مطلقها قد قبض الثمن.. وعندما علم أن زوجة الفتوة حامل، وأن السعادة تغمره انتظارا لمولوده الأول قرر أن يبدد هذه السعادة.. أن يعذبه نفسياً.. أن يقضي علي أمله في الحياة فقد كانت زوجته كل شيء له في الحياة.. وكان ينتظر مولوده بفارغ الصبر.. لذلك قرر أن يحرق قلبه ويقضي علي كل آماله، فاستدرج السيدة إلي المكان المهجور وكان قد أحضر وأعد فيه "الكيروسين" وانهال عليها بالعصا علي رأسها حتي سقطت علي الأرض، ثم سكب عليها الجاز، واشتعلت فيها النار، وعندما علم أن الزوج الأول قد تم القبض عليه بتهمة قتلها ورأي الفتوة ينهار كالجبل وتتساقط حجارته وركبه الهم والحزن واستسلم للكآبة.. اعتقد أن خطته - في تحطيمه - قد نجحت وأن قتله لزوجته وللجنين الذي بين احشائها قد أذل كبرياءه وبدد أمله وقضي علي احلامه في السعادة.. وأن كأس العذاب الذي تجرع منه في طفولته قد آن الاوان لأن يشرب منه هذا الفتوة ويذوق مرارته ويتجرع منها كما تجرع هو منها من قبل. ولكن حزن الفتوة لم يدم طويلاً فقد تماسك وعاد لجبروته من جديد.. عاد الي مجونه وفجره ونزواته التي لا تنقطع. وأضاف الشاب قائلا: - أدركت أن انتقامي لم يصب منه مقتلا وأن دائرة الانتقام لم تقفل بعد.. صممت علي الخلاص منه تطهيراً للمجتمع من دنسه وحماية للأبرياء من شروره فقتلته.. ولكن الذي كشف الحقيقة هو "بطاقتي" التي سقطت مني في مكان الحادث. ولم يلبث أن اصيب الشاب - بعد اعترافه- بحالة من الهستيريا وانعدام الوزن أدخل علي أثرها مستشفي الأمراض العقلية فقد طار صوابه وجن جنونه. أما الزوج فقد خرج الي الحياة طليقا، ونجا من حبل المشنقة وعاد الي قريته بعد أن دقت أجراس الحقيقة.. ولكنه عاد كسيراً وحيداً محطما وقد هداه اليأس فباعد بينه وبين الأمل في المستقبل بعد أن فقد زوجته وضاع معها حبه.. كانت تلك الصورة التي ارتسمت أمام عيني ورسخت في مخيلتي.. وأنا أصافحه مودعا ومهنئا له بالبراءة.. وأحثه بأن يطوي صفحة الماضي.. ويبدأ من جديد صفحة جديدة ملؤها الأمل. ومرت السنون.. كانت عشر سنوات أو أكثر بقليل عندما.. أخبرني مدير المكتب أن موكلاً.. جديدا قد حضر لتوكيل المكتب في قضية جديدة وبصحبته صديق يدعي.. أنه عميل قديم بالمكتب ويرغب في مقابلتي شخصيا.. قبل الحديث مع الوكيل. وتم اللقاء.. إنه ذات الرجل.. يقدم لي ولدين.. والفرحة في نبرات صوته.. وهو يقدمهما قائلا سلموا.. علي عمكم ده له الفضل علىَّ بعد ربنا.. وقص علي قصته.. بعد أن عاد إلي بلدته.. وكيف أن كلماتي ونصيحتي له كانت نغمة من الأمل تسري في جسده.. وملأت عليه فكره.. وتزوج من فتاة اخري.. أحبها وأحبته وأنجب منها ولديه.. - وعندما سألته.. عن حبه الأول.. أجاب علي الفور.. وبلا تردد: - كنت واهما.. وقال بلهجته الصعيدية: - "حقا.. مراية الحب عمية.. وطلب مني عدم الحديث في الماضي..